صديق الحسيني القنوجي البخاري
28
فتح البيان في مقاصد القرآن
ركاب ، وكانت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، خاصة ، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل اللّه » « 1 » . وعن ابن عباس قال : « جعل ما أصاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يحكم فيه ما أراد ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها ، قال : والإيجاف أن يوضعوا السير وهي لرسول اللّه فكان من ذلك خيبر وفدك ، وقرى عرينة ، وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يعمد لينبع فأتاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاحتواها كلها ، فقال ناس : هلا قسمها اللّه ؟ فأنزل اللّه عذره ، فقال : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى الآية » وفي الكرخي : وهذا وإن كان كالغنيمة لأنهم خرجوا أياما وقاتلوا وصالحوا ، لكن لقلة تعبهم أجراه اللّه تعالى مجرى الفيء . وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ أي سنته تعالى جارية على أن يسلطهم على من يشاء من أعدائه تسلطا غير معتاد ، من غير أن يقتحموا مضايق الخطوب ، ويقاسوا شدائد الحروب ، وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دون أصحابه ، لكونهم لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب ، بل مشوا إليها مشيا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يسلط من يشاء على من أراد . ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ، فلا حق لكم فيه ويختص به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة على ما كان يقسمه . ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى هذا بيان لمصارف الفيء بعد بيان أنه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، خاصة ، والتكرير لقصد التقرير والتأكيد ، ووضع أهل القرى موضع منهم أي من بني النضير للإشعار بأن هذا الحكم لا يختص ببني النضير وحدهم بل هو حكم على كل قرية يفتحها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، صلحا ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب قيل : والمراد بالقرى بنو النضير وقريظة وهما بالمدينة وفدك وهي على ثلاثة أميال من المدينة وخيبر وقرى عرينة وينبع وقد تكلم أهل العلم في هذه الآية والتي قبلها هل معناهما متفق أو مختلف ؟ فقيل : متفق ، كما ذكرنا وقيل : مختلف ، وفي ذلك كلام طويل لأهل العلم . قال ابن العربي : لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات ، أما الآية الأولى وهي قوله : وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فهي خاصة برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، خالصة له وهي أموال بني النضير ، وما كان مثلها وأما الآية الثانية وهي ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول وإن اشتركت هي
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 80 ، ومسلم في الجهاد حديث 48 ، والنسائي في الفيء باب 8 ، وأحمد في المسند 1 / 25 ، 48 .